أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

17

شرح مقامات الحريري

وريحان صدري كان حين أشمهّ * ومؤنس قصري كان حين أغيب وكانت يدي ملآنة ثم أصبحت * بحمد إلهي وهي منه سليب * * * فلمّا شالت نعامته ، وسكنت نأمته ، بقيت عاما ، لا أسيغ طعاما ، ولا أريغ غلاما ، حتّى ألجأتني شوائب الوحدة ، ومتاعب القومة والقعدة ؛ إلى أن أعتاض عن الدّرّ الخرز ، وارتاد من هو سداد من عوز ؛ فقصدت من يبيع العبيد ، بسوق زبيد ، فقلت : أريد غلاما يعجب إذا قلّب ، ويحمد إذا جرّب ؛ وليكن ممّن خرّجه الأكياس ، وأخرجه إلى السّوق الإفلاس ؛ فاهتزّ كلّ منهم لمطلبي ووثب ، وبذل تحصيله عن كثب . ثمّ دارت الأهلّة دورها ، وتقلّبت حورها وكورها ، وما نجز من وعودهم وعد ، ولا سحّ لها رعد . فلمّا رأيت النّخّاسين ، ناسين أو متناسين ، علمت أن ليس كلّ من خلق يفري ، وأن لن يحكّ جلدي مثل ظفري . فرفضت مذهب التّفويض ، وبرزت إلى السّوق بالصّفر والبيض . * * * شالت نعامته ، أي ارتفع نعشه . ويقال في المصلوب : شالت نعامته ، أي ارتفعت خشبته ، وشالت نعامة القوم ، أي ولّوا منهزمين ، وهو مثل يضرب للانهزام وللهلاك وللتفرّق . وأنشد الشاعر : [ الكامل ] تلقى خصاصة بيننا أرماحنا * شالت نعامة أيّنا لم يفعل يخاطب أعداءه وقد وافقهم ، يقول : هلمّ نلقى في الفرجة الّتي بيننا أرماحنا ، ونضرب بالسيوف ، هلك وانهزم من لم يفعل ، يدعو عليه وينسب ذلك للنعامة ، لأنّ النعام موصوف بالسّخف والرّق والشراد . فإذا قالوا : شالت نعامتهم ، وخفّت نعامتهم ، ورقّ رأيهم ، فمعناه إذا تركوا مواضعهم بجلاء أو بموت . ويقال : أحمق من نعامة ، لأنها تنشر للطعام ، فربما رأت بيضة نعامة أخرى وحدها فتحضنها ، وتنسى بيضتها ، ثم تجيء الأخرى فترى على بيضتها غيرها ، فتمضي لوجهها ، وإياها عني ابن هرمة بقوله : [ المتقارب ] كتاركة بيضها بالعراء * وملبسة بيض أخرى جناحا « 1 »

--> ( 1 ) البيت لإبراهيم بن هرمة في ديوانه ص 87 ، والحماسة الشجرية 2 / 902 ، والحماسة البصرية 2 / 277 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص 737 ، وشرح عمدة الحافظ ص 675 ، وكتاب الصناعتين ص 123 ، 145 ، وعيون الأخبار 2 / 102 ، ولسان العرب ( شحح ) ، ( جهز ) ، ( هنبق ) .